سيد محمد طنطاوي
511
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والنحاس ، ونحو ذلك كما يطلق - أيضا - على الماء الغليظ كدردي الزيت أي : ما تعكر منه . وقيل . هو نوع من القطران أو السم . والمرتفق : المتكأ ، من الارتفاق وهو الاتكاء على مرفق اليد . أي : إن هؤلاء الكافرين ، إن يطلبوا الغوث عما هم فيه من كرب وعطش ، يغاثوا بماء كالمهل في شدة حرارته ونتنه وسواده ، هذا الماء * ( يَشْوِي الْوُجُوه ) * أي : يحرقها . * ( بِئْسَ الشَّرابُ ) * ذلك الماء الذي يغاثون به « وساءت » النار منزلا ينزلون به ، ومتكأ يتكئون عليه . فالآية الكريمة تصور ما ينزل بهؤلاء الظالمين من عذاب ، تصويرا ترتجف من هوله الأبدان ، ويدخل الرعب والفزع على النفوس . قال بعضهم : فإن قيل ، أي إغاثة لهم في ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب ، وكيف قال - سبحانه - ، * ( يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ ) * ؟ فالجواب : إن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن ونظيره من كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب . وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع أي : لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع ، وإذا كان هؤلاء الظالمون لا يغاثون إلا بماء كالمهل ، علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم مطلقا » « 1 » . والمخصوص بالذم في قوله : * ( بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقاً ) * محذوف ، بئس الشراب ذلك الماء الذي يغاثون به ، وساءت النار مكانا للارتفاق والاتكاء . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك حسن عاقبة المؤمنين فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) * . ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ألوان النعيم فقال : * ( أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهارُ ) * . ولفظ « عدن » بمعنى إقامة لا رحيل بعدها ولا تحول . وأصله من عدن فلان بالمكان . إذ أقام به واستقر فيه .
--> ( 1 ) تفسير أضواء البيان ج 4 ص 96 .